محمد بن جرير الطبري
155
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
والآخر الرفع عطفا على الكتاب ، كأنه قيل : المص كتاب أنزل إليك وذكرى للمؤمنين . القول في تأويل قوله تعالى : * ( اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون ) * . يقول جل ثناؤه لنبيه محمد ( ص ) : قل يا محمد لهؤلاء المشركين من قومك الذين يعبدون الأوثان والأصنام : اتبعوا أيها الناس ما جاءكم من عند ربكم بالبينات والهدى ، واعملوا بما أمركم به ربكم ، ولا تتبعوا شيئا من دونه يعني : شيئا غير ما أنزل إليكم ربكم ، يقول : لا تتبعوا أمر أوليائكم الذين يأمرونكم بالشرك بالله وعبادة الأوثان ، فإنهم يضلونكم ولا يهدونكم . فإن قال قائل : وكيف قلت : معنى الكلام قل اتبعوا ، وليس في الكلام موجودا ذكر القول ؟ قيل : إنه وإن لم يكن مذكورا صريحا ، فإن في الكلام دلالة عليه ، وذلك قوله : فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به ، ففي قوله : لتنذر به الامر بالانذار ، وفي الامر بالانذار الامر بالقول لان الانذار قول . فكان معنى الكلام : أنذر القوم وقل لهم : اتبعوا ما أنزل إليكم ، كان غير مدفوع . وقد كان بعض أهل العربية يقول قوله : اتبعوا خطاب النبي ( ص ) ، ومعناه : كتاب أنزل إليك ، فلا يكن في صدرك حرج منه ، اتبع ما أنزل إليك من ربك . ويرى أن ذلك نظير قول الله : يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن إذ ابتدأ خطاب النبي ( ص ) ، ثم جعل الفعل للجميع ، إذ كان أمر الله نبيه بأمر أمرا منه لجميع أمته ، كما يقال للرجل يفرد بالخطاب والمراد به هو وجماعة أتباعه أو عشيرته وقبيلته : أما تتقون الله ؟ أما تستحيون من الله ؟ ونحو ذلك من الكلام . وذلك وإن كان وجها غير مدفوع ، فالقول الذي اخترناه أولى بمعنى الكلام لدلالة الظاهر الذي وصفنا عليه . وقوله : قليلا ما تذكرون يقول : قليلا ما تتعظون وتعتبرون ، فتراجعون الحق . القول في تأويل قوله تعالى : * ( وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون ) * . يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ص ) : حذر هؤلاء العابدين غيري والعادلين بي الآلهة